عطش الماء
.. حسين العلي ..

:: الجندي سيان

 .. الجندي سيان ..

 

 

صامت كان، ثم التفت بعد تناول الدواء وتبسم، شعرت أن كفه ترتعش.

هل أثر الدواء سريع المفعول، أو أنني لم ألحظ ارتعاش كفه من قبل.

.. البوح يحيي الإنسان..

كانت تراودني في خلدي بعض كلماته.

قلت: ما بك..................... فلم يجب.

والطبيب حين سألته قال إن الأمر بسيط وانشغل عني، فلم أجد فرصة لأعرف ما أصابه.

غفى قليلا........ ثم بدأ يتحدث، لم أفهم ما يقوله، لكنه كان يتحدث بهمهمة لإنسان.

بالطبع إنسان غيري.

..............................

 

التفت نحوي، ورفع رأسه بتثاقل، ضغطت على كفه قليلا أشجعه. قال أسندني حتى أستطيع الجلوس. بعد جلوسه بقليل أنزل قدميه فتناثرت أوراقه. سألته وهو يهم بالوقوف. إلى أين؟.

قال إنه في حاجة ماسة للحمام.

قام فتناثرت أوراق أخرى من تحت مفرش السرير.

بفضول مددت يدي وبدأت أقرأ.

 

إنها أوراقه.

أعرف خطه جيدا منذ كنا في الثانوية العامة معا. أتذكر جنونه وتصرفاته ومقالبه وما أكثرها .كان آخرها مقلبا كاد أن يقتلنا جميعا.

فقبل التخرج أقامت المدرسة معرضا فنيا، أعدوا  له لوحة ضخمة  تمثل خارطة الوطن العربي من أعواد الثقاب، احتاجوا شهرين لإنجازها كعمل فني فريد من نوعه. ويوم الافتتاح أشعل أول عود بها، وما هي إلا ثواني حتى رأينا كل العالم العربي يحترق،لم ينفع تراكض الطلاب والمدرسين لجلب الماء.

احترق كل شيء، فاقتادونا نحو غرفة المدير. أنا وهو لنأخذ الجزاء.

بيده هذه التي ترتجف كان يخط أجمل الحروف ويزين السبورة بأجمل الكلمات.

كان يتقن أشياء كثير ة لا يجيدها غيره.  لكن الأيام تتغير،أعني تغيرنا. لكن مستحيل أن أسمح للقدر أن يسحقني بحذائه.

هذه كلمته التي كان يرددها سابقا.

الآن القدر لعب لعبته..

............................

 

 

اليوم الثامن والعشرين بعد المائة. أعد الأيام بل الساعات بل الدقائق بل الثواني وأجزائها.

وأتساءل: كيف للإنسان أن يتخلى عن نفسه؟

عن تاريخه؟

عن حزنه وعن فرحه...............؟

عن صوته........... صباح كل يوم..... صباح الخير ............................. حبيبي.

صباح الخير ............................................................................. عمري.

 

احتاجك .......................................................................................؟؟؟

ويتصل ................. ليأتي صوته كأغنية الفجر. يأتي كاندلاق مطر على وجه القمر.

 

كيف يتخلى عن ساعاته التي رسمها بدفئه وخوفه ورغباته وصدقه...................؟.

كيف يموت كل شيء إلا الموت...........................................................!!!.

 

أضغط على الأرقام، وأضع إصبعي على المفتاح، لأتصل ثم أتوقف.

شيء ما يمنعني، لأنني لا أتذكر أنني فعلت شيئا يستحق هذا الصمت، وهذا البعد وهذا الهجر.

أضغط على نفسي، وأقول عليً أنا أن أتخذ الخطوة الأولى للتواصل.

لعله يحتاجها، لعله ينتظرها بفارغ الصبر، لعله لا يستطيع أن يبدأ من جديد.

هل خدشت كرامته............؟!.

وأبحث عن الأعذار والمبررات فلا أجدها........!!!!

لكني أتذكر أنه قالها بقوة وصرامة وبرود.

 

(( أنا لا أثق بك......................................... ))

 

يا الله ................................!!!!

لا يثق بي ..........................!!!!

كيف أبادر الآن وقد أحرق سفن العودة...................................................؟؟

 

في تلك اللحظة كان كمن يقول لي عليك تقبيل الرصاصة وهي تخترق قلبك.

لكنني شكرته على صراحته.  كان شجاعا في تلك اللحظة.

أين تلك الشجاعة الآن.

ليقول لي ما الأسباب التي دفعته أن يستبدلني كحذاء عتيق.؟.

مالذي أخذه عن طريقي إلى طرق أخرى؟.

الآن كلانا صامت، بل أنا من يغرق نحو قعر المجهول في صمت.

صوته أسمعه من بعيد. وأخاف أن يبتعد مع الأيام هذا الصوت الذي لون داخلي بالفرح والمعنى.

أخاف حتى من الثواني وهي تلهث للابتعاد عن الحاضر.

صامت غائب، وله حضور طاغ.

له كل الحضور وكثافة الحضور.

أسمع صوته أحن إلى اتصاله، ثم أخيب...................................................................

 

قبل انقطاعه كنت أشعر دون بينة أو دليل، أن في داخله شيء. كنت عاجزا عن البوح.

كنت عاجزا عن إيصال حقيقة لا أعرف ما هي، ولا يعرفها هو ولا يمكن أن يعيها..

.. إن المحب والمحارب هما نفس الشخص..

 والمحب والمحارب، مباح لهما كل شيء.

من أجل الحفاظ على الحبيب/الوطن.

فهو أرضي وهو وطني. هو كل حالاتي.

فلا يوجد جندي شريف وطاهر، يقبل بوجود عدو فوق ترابه، كنت أريد أن أقول له. إن من حق المواطن/الجندي المحب، التدقيق والتحقيق، و حتى التجسس لحماية تراب قلبه، ووطن قلبه، وحدود قلبه.

كنت أريد أن أقول له أن كل الذي أعرفه أو يتصور أنني أتجسس لأعرفه، جاء بالصدفة وحدها. ولم أكن أبحث عن ثنايا حياته، بل كان كل همي أن يبقى نقيا فوق هضبة الروح.

كنت أريد أن أبوح له بكل ما أعرفه، وبكل ما أظنه وبكل ما أتصوره.

لعلنا نصل إلى وضوح الرؤية وسلامة الحقيقة.

غير أنه الآن بعيد. بعيد.  فالمسافة تنمو ككائن خرافي وسيلتهمنا مع مرور الوقت.

 

.............................

 

فجأة وجدته فوق رأسي يسأل:

ماذا تقرأ؟.............. لم أشعر بخروجه من الحمام.

قلت له وجدت هذه الأوراق تحت غطاء فراشك.

ضحك وقال:  إنها أوهام محب، لم يخبر الحياة والناس.

 

قلت له.

-        إنها تجربة حياة.

-        إنها تسلية

-        تسلية؟

-        أنت وأنا وهم، كلنا لعبة للقدر .. والمحبة مرض عقلي ووسيلة بيد القدر يسلطها على الخائبين.

.. على العموم هذه ليست أوراقي، إنها تخص رجلا عجوز، إلا انه لازال غضا في نظري، أتى بها من العيادة الأخرى لأقول له رأيي فيها.

 

فسألته:

-        وأنت ما رأيك...........؟

-        أنا أتسلى مثل غيري على هؤلاء..

-        تتسلى؟

-        بالطبع فمن خبر الحياة لن ينتظر وفاء أحد.

-        إنه أمر محزن ومخيب.

-        الحياة محزنة بالمطلق. فلا تمتعض من سلوكي تجاه مشاعر الغير.

ولا تعكر صفو جوي الآن.. فالسرير هو المكان الوحيد الذي يحملك دون حدود إلى ما ترغبه..

 

هززت رأسي بعدما شعرت أن الأمر لديه ولدى غيره سيان أيضا.

أثناء خروجي من غرفته رأيت ممرضان يدفعان سريرا أمامهم فوقه مريض. علمت من أحدهم انه متوفى الآن........................ فزادت أحزاني..

في المكتب علمت أن المتوفى هو صاحب الأوراق التي قرأتها في المستشفى.

غير أنني لازلت أستغرب خطها.

 

.............................

 

عدت أقرأ أوراقه:

 

 

بعد اكتمال الشهر الرابع وبعده بأيام، جاءت لي فرصة على طبق من ذهب.. شراكة جديدة ومجدية.

دون إدراك مني شعرت بما تشعر به الحامل المكرهة..

شعور بالحاجة للتقيؤ ،شعور بالكفر بكل تجربة.. كفر بكل القيم لأن الموت هو نهاية الأشياء فلماذا الابتداء؟!

 

....................................

 

على وجبة السحور نظرت إلى زوجتي وصرت أتساءل.

ماذا يبقيها هنا؟

الوفاء؟.

عملة ليس لها رصيد.

المحبة؟.

ماذا تعني هذه الجملة التافهة في قاموس المصلحة؟.

الأولاد؟.

كبار هم ويمكنها أن تستند عليهم.

السذاجة؟.

لا أعتقد فالمرأة لم تخلق ساذجة. فهي ليست آدم يوم الخروج.

نظرت إلى عينيها.. وددت أن أمسك بكفها وأقرأ عن مصيرنا  فيما بعد.

لكنها قامت لتغسل الصحون. في الصالة أتت بالشاي ونبهتني لضيق الوقت.

قلت لها . كل شيء ضيق. ابتسمت وعادت إلى مطبخها.

 

في الفجر سمعت من نافذة غرفتي من يدندن في الطريق..

(( يا من هواه اعزه وأذلني )).

قال أحد السائرين............................. أذكر الله تفلح.

صرخ............................... اغرب يا وجه الحمار..

وجه الحمار........................!!!!

 

بحثت في ذلك الفجر عن مرآة............... رن هاتفي فانتفضت ................. إنها الخامسة..

هل سأقرأ. صبــــــــ...............

لا بالتأكيد لالالالا..................الموت سيان .

 

 

حسين العلي

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 04 ديسمبر, 2006 10:55 ص , من قبل احلام
من المغرب

استادي حسين العلي

اول شيئ ابارك لك تصميمك الجديد تبع

مدونتك

تصفحت مدونتك كثيرا و رايت مقالات

رائعة تنم عن شخصية رائعة ليست

مجاملة مني دي الحقيقة

فاهنئك استاد و اتمنى لك مزيدا من

التالق و الاستمرار

ارجوا ان تتكرم و تزور مدونتي

دمتم بالف خير

تلميدتك احلام


اضيف في 18 مارس, 2007 11:02 م , من قبل skoonalrooh
من المملكة العربية السعودية

أحداثها جدا جميلة

والوجع الذي يحرك أحداثها أكسبها نوعا من التشويق

جعلني أتابع بإصرار

لكن النهاية !!!

ربما كنتَ مقصّرا في حقها ؟

أم أنّها كانت فوق ما أدرك !!

عنوانها لم أفهم علاقته بالأحداث



سيدي / رغم ذلك كانت ممتعة













أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية