عطش الماء
.. حسين العلي ..

:: عارية

أنا هنا. وأنا ذاك المختبئ وحده في الزاوية يمسد يده اليمنى باليسرى في صمت.
مرارا وتكرارا، أحاول دون جدوى.
أحاول أن أكون أنا هو، أو لا أكون هو أنا.
شيء ليس له آخر…………….

لا أريد أن أكون بوجهين ومعنيين.
غير أنني أجد في أوقات كثيرة خصوصا حينما أتحدث، أتحدث بما يمليه عليً لا بما أرغبه أو ما يجب قوله للآخرين.

فأقف مشدوها، وفي ذات الوقت مستغربا كوني قلت مالا يعنيني. من قريب أو بعيد.
ثمة لبس، ثمة ازدواجية، ثمة خلل، فيً أنا، وفيً أنا القابع هناك في صمت.
فما اشعر به هنا، أو أشعر به هناك، هي رغبة قوية أن لا أكون ذاك، أو أكون ذاك وأنا هنا، وليس ذلك الكامن في الزاوية المظلمة في صمت.

بل كان من الأفضل أن لا أفكر منذ البداية هكذا.
حتى لا أكسر ضعفي وتنهار أخر لبنة في جدار الذات، وحتى لا أمزق ستارتي الرقيقة على مشهدي وكأنني بدأت الآن أدرك أي محاولة ستكون مخيفة ومريحة ومتعبة وصادقة وفادحة الأثر، في فتق جدار السد.

فلو بدأت مياهي بالتسرب، نقطة نقطة، فإنها ستئول بين ليلة وفجرها، إلى طوفان يجرف أمامه كل تراب الوادي، وبيوته وأشجاره وناسه دون القدرة على فعل شيء.
غير أنني فقدت السيطرة منذ البداية، رغم أنه كانت هناك فرصة سانحة لو أنني ولجت من أنا القابع هناك، إلى الأنا هنا فقط.
ولما كنت أنا الآن ذاك الكائن في الظلمة في صمت.

أنا قاس وضعيف، أنا قوي ومهزوم، صافي وعكر المزاج، متصلب ولين، سعيد وشقي، كم كنت أود أن أهمس في إذنها بكل هذا، بل كنت أود أن أقول.

.. تعلمين إنني منذ سنين وأنا اطلب من الله أن يجعلني أحب كل البشر من خلال حبك..
منذ بضع شهور فقط.. وأنا صادق.. حين أقول أن مشاعري تتشكل..
أنني منذ شهور صرت أحس أن الله استجاب رجائي، حتى أنني أشم رائحة جسدك وكأنها صوت نورس في فجر الشتاء.

- هل النورس يستغيث؟.

كم كرهت صوتي الماثل فيً أنا ذاك القابع في ظلمة الصمت.
يا حبيبتي جسدك رائع وأريد أن أقول لك أنني أحببت كل البشر بحبك.
أنت؟.
أنتِ سيدة تستحقين رجل أفضل مني..فهل يمكن لحطام رجل أن يرمم بقايا امرأة!!.
أوه……. اخرس دعني ولو مرة أعبر عن ذاتي، أرجوك أبقى مكانك في صمت.
.. كلامك دون معنى..
فيتناهى إلى سمعي هناك كلام ليس له معنى. أعتصر ألما، وأغرق في التفكير.
صوت مخيف كأنه تصدع حائط في سكون الليل، أو مزمار خشبي محروقة أطرافه وطويل يخترق جمجمتي ويخرج منه صوت مؤذي يعبر إذني دون هوادة.
ربما كل هذه الآلام في أنا هنا فقط، وهي اللذة بعينها فيً هناك، أنا الجالس في الظلمة.
هنا أو هناك لا استطيع الخلاص من ذاتي لأبقى لذاتي.

فذاتي الأخرى المهزوزة هنا، وغيرها ذاتي الصامتة هناك الممسدة على يدي اليمنى باليسرى. كلي في مأزق شرس ويائس.
لاشك أن الفرق بيني وبيني شيء قاس، وكبير، فوق طاقتي، ولا احتمل الكثير مما أعانيه، وليس البوح أو الشكوى ستفيدني……….
بل لا استطيع تخيل الفرق بين الأنا والأنا..

صرخت في وجهي.
أريد أن أنام، أرجوك احلم بصمت، تكلم بصمت، مللت هذيانك.
بلعت ريقي، وكفكفت أخر الكلمات بيدي إلى فاهِ حتى لا تسقط على السرير وتبلله. لعلها تنام.
معها كل الحق. هي امرأة متعبة.

فمنذ الصباح الباكر، تغسل وتكوي وتلمع الأثاث، وتطبخ وتنظف البيت، وحينما أردت الخروج قلت: لها أرجوك أعطيني قطعة قماش لألمع بها حذائي..
قالت: حذائك للتو لمعته لأنني اعرف أنك تفكر بالخروج.
أحسست بالغرابة. كيف تستطيع قراءة أفكاري ومعرفة مشاعري!!!.
كنت طوال الليل صامتا بجوارها في السرير لا يواتيني النوم.
- ليس هناك شيء؟.
- أسكت إنها ليست نائمة، بل تخترقني في كل شيء وتعلم بما أفكر فيه، وكيف أنا؟..
- وأنا القابع في الظلام بصمت أتابعك مثلها أيضا.

أزاحت الغطاء وجلست، أضاءت النور بجوار السرير، فظهرت مفاتنها، ألتفت إليً..
- أنظر ليس هناك أحداََ في الزاوية، اطمأن أنت هنا بشحمك ولحمك. معي بالسرير. هل ستنام؟، هل ترغبني؟، هل تحتاج لدليل أنك. أنت، أنت لا غيرك؟.
وقبل أن أنطق بكلمة قالت.
لا تفكر هكذا، الفلسفة والجنون، الموت والحياة، الحاضر والماضي، بل الماضي هو الحاضر في صورة جديدة متلونة حسب الحاجة فقط.
كلهم لا فرق بينهم، ولا يجب أن تخلق فرقا بين الأشياء مهما كان، لترتاح كبقية البشر، بل الأهم الآن أن تنام.
نام أرجوك واتركني وشأني؟.
- للتو تفكر فما فعلته في بيتك منذ سنين؟
فكيف ستفكر الآن فيها؟…… ما تراه من جسدها، هل يحتاج للفلسفة لتحبه؟.
هل التعري يعجبك كفكر مجرد؟. ككائن مغضوب عليه مرتبط بك وتحتاج لفهمة وقبوله؟.

جلست مرة أخرى. وقفت ونزعت قميص النوم.
رايتها عارية وقبيح مابين فخذيها. فلم استطع تفقد جسدها بعيني، غير أن عيني هناك رأت في وقفتها وتفاصيلها والضوء الذي بداء من تحت لقربها من النور شيء آخر.
قلت أنا ذاك البعيد..
- إنها شهية..
وأنا هنا قلت..
- إنها قبيحة ومستر جلة وقاسية،
- إنها لقمة سائغة للأكل.
- هي دون طعم.
- إنها ممتعة كهذيان وتر بين أنامل عازف ماهر.
- قلت له أخرس
- قال لي أخرس أنت.
صرخت بقسوة، أخرس أنت لا تستحق شيء، لهذا لا تستطيع النظر إلي، وأنا أعرف من يستحقني في هذا المساء، نام الآن يا نكرة.
تألمت ……………….. فتبسم.

- أنتِ ألن تنامي؟.
- سأنام عارية واقفة كعمود رخام في معبد شكك. هل هذا يرضيك؟ هل يرضيك لو ضاجعتك أنت هنا، وأنت هناك تتفرج؟. أنت القابع في الزاوية تمسد يدك اليمنى باليسرى بصمت…………. تكلم عليك اللعنة.

بقيت صامتا وتابعت في صراخ.

هل يرضيك لو وقفت أمام النافذة لعل فارس أبيض أو اسود، يختطفني بعيدا عنك لترتاح؟.
- لست متضايق منك نامي بسلام ولن أتفوه بكلمة.. قلتها بهدوء..
- لا يهم أفتحه أو أبقيه مغلقا أنا مصيبتي أنني أسمعك كالخنزير في بيارة عتيقة.

صفعتها بقوة…….. فروحي، أحسها طفقت مني غضبا.

صرخت من الألم فأضئت النور لأرى ما فعلته بهاأنا هنا، أو أنا هناك، أي مني الذي فعلها؟!!!!. نظرت إليها بخوف، فبدأت مبتسمة وضمتني بقوة وهي تقول:
الآن أنت تعجبني، أنت رجلي، أنت فارسي الأصيل، أنت الآتي من الشباك بثوب وروح جديدة.
استغربت. وكل وجل، أنا من أنا؟.

كانت أجمل مما عرفتها كل العمر، في تلك اللحظة. مفاتنها تناديني، خلعت لباسي بسرعة ودفعتها بقوة على السرير، وانطلقت لاهثا، احك جسدي بها. وصوتنا يصل السماء بنشوة غريبة.

قالت:
دعنا نتوحد، دعني أجعلك فارسي الأوحد، أنت فقط تستحقني بجدارة، أنت لا غيرك.
ماهي إلا لحظات مشرئبة كالبرق. كان إحساسا عميق باللذة والحبور.
قوة تخترق ظهري بشهوة وقسوة وحرارة.
سائل ساخن أشعر به يتدفق ينحدر إلى خاصرتي، أشعر بشيء من الخدر، وإغفاءة لذيذة تنتشر فيني، أحاول عبثا أن أتلمس بطرف أصبعي سائل لزج فلا استطيع.
بعد ثلاثة أيام من الحزن أسمعهم يقولون قتلته في الفراش.
لم أعرف من يعنون. أنا. أو أنا ذاك القابع في الظلام يمسد يده اليمنى بيساره. في صمت.
لكني بكل تأكيد عرفتها عارية.

حسين العلي
27/2/2006م


بنت
(3) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 06 يونيو, 2007 05:43 ص , من قبل فطوم
من المملكة العربية السعودية

أنا اللتي لم تعد أعرف من أنا ؟!
فلم أعد مدركة,,أي الاتجاهين أسلك؟.
هل أنا تلك اللتي هناك ,,
أم أنا تلك اللني هنا ,,!
فسطورك سيدي المبجل
تعابير الاعاصير,,
تأخذني هنا وهناك
تقذفني الى حيث ألمح شخصية
براقه ,نافذة الى أعماقي ,
ترسم .. تفاصيل غموض محياك ,,
حقا .. لم أعد أدرك الوصول
وأحتاج أحيانا , الى اللاوصول
فقط كي أتنحى عن ابداء رأي
لابداع أعجز مقاومته وأستطيعه !!
ابداع مستنيرة أياديه وأحيانا
مستترة,,!
تارة ترميني موج الاحاسيس تلك
الى هناك ,,
واخرى تلقي بي الى هنا ,,
الى حيث اكون أنا ولا اعلم ان كنت سأبقى لكي
اكون ,, هي انا ,,
هنا ,, حيث الشاطئ
أرى نفسي فيه ممدة عارية ,,
نعم فروحي , وملامحي , وجوارحي ,
حتى قلمي تعروا من كننهم .
تعرا ,, من جمال فاضح ,,
من روح , وقلم كاسح
هنا سيدي المبجل ,, أرمي بقلمي
لك , وأرمي بذاتي ,, سواء أنا اللتي
هناك ,, او اللتي هنا ,,
هنا فقط يرحل غروب شمسي الكاذبة
وتطل أقمارااا ,, لا قمرا واحدا
فذاتك الجميلة أعيا أن يتجمل بها قلم واحد..!!
تقبل شكري .. لخالص عطائك الروحي
صغيرتك,,
فطوم


اضيف في 05 اكتوبر, 2009 01:20 ص , من قبل ناني
من المملكة العربية السعودية

انا اول شي شدني العنوان :-D

بس استمعت كثير بقرايتهابس كنت مستعجله ابغى اعرف الزبده والنهايه بس والله تفاجئت بالجرائه حدها قويه
بس بالنهايه عجبني الاسلوب وكيف صورت المشهد كان روعه كان فلم
سوري على كلامي العفيسه مااعرف اتفلسف بس حبيت اقول رايي
ناني


اضيف في 08 نوفمبر, 2009 11:20 م , من قبل فدك علي
من المملكة العربية السعودية

أبحرت بنا بإبداع لا مثيل له..


تحكمت في أحاسيسنا ومشاعرنا..


وكنت بحاراً متميزاً ..


أبحرت بنا على متن سفينة من أنا..


لتجوب بنا في بحار عشقك.. و عواطفك..وجرئتك


ولترسي بنا أخيراً على ميناء عاريه..

قد تصف حروفنا.. مشاعرنا ..


وقد تصور خيالاتنا ..


وتعبر عن خوالجنا ...


ولكنها أمام عظمة إبداعك تقف عاجزة..


لا تستطيع مجاراتك..


ولا ترتقي لأسلوبك مهما اجتهدنا ..


تقبل خالص احترامي .. وشديد إعجابي

هنا كانت(فدك علي)




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية