عطش الماء
.. حسين العلي ..

:: حلزون

ما كنت أنوي أن أحدثكم عن شيء في داخلي،أخاف عليه ومنه، لكنني وجدته يبرز عبر خيوط أثوابي ويعيش بين مكامن اللحظات الوجلة الراغبة بالظهور والتجلي، حتى صار للكلمات رائحة تشبه رائحة الخشب المحروق وهو رطب لم يجف بعد.
إن للأفكار في رأسي آفاق غير محدودة، لا تحدها إطارات خشبية.
وثمة أمر لم آبه له في اللحظة المناسبة..
حتى غدت الأمور في خواتمها تشبه بعضها البعض.
حلزون أو مسننة تتداخل في بعضها، ربما وصفها بالحلزون وهو يعبر العشب وصف كثير الدقة و أكثر ليونة في التعبير عن الحالة الراهنة.
في همهمة شهية قالت وهي تتلوى في الفراش، والضوء خافت والستائر مسدلة، وريح ريفية خفيفة، تهب مع صوت يأتي من أعماق الواحة، المتاخمة للصحراء، يجعل الشراشف تتكشف عن قسمات وتقاطيع الجسد، وكأنه زخارف تعبر بؤبؤ العين باستحياء ومراوغة.

همست:أنت حلزون.
أنت حلزون صغير يعبر العشب، له قرنان صغيران وجلد رخو، يتمدد ويتقلص بجانب حجر الرصيف تكاد الأقدام تسحقه.
إنها أقدار لذيذة بالنسبة له، لو سحقوه فوق الأرض بأحذيتهم . سيقول أوهم سيقولون ذهب قضاء وقدرا. كما تقول أو تشعر الآن أننا جميعا في قبضة القضاء والقدر.

ماذا.. ماذا تقولين.؟
لا… لا حاجة لأن تعيدي الكلام.
ثم قلت لنفسي :
ماذا عن طعم الكلمات في فمها؟
وهي نصف نائمة تتشهى التوحد بين الجسدين، في حالة تشبه مشية الحلزون بين مسارب العشب الأخضر حسب وصفها؟
إن الكلمات فوق شفتيها لامعة في الضوء الخافت، باشتهاء قطة مدللة تحتاج للمداعبة والمسح على الفراء الذي يغطي العانة، وغرس الأصابع في الإبط.
لها طعم كطعم النوم في عيون وليد بعد الرضاعة، كطعم رسائل قصيرة حين تكتب رسالة من حرفين أو سطرين، أو حين تطلب مني أن أحكي لها حكاية من عاندها جيب ثوبها، الذي يرفض الستر في وضح النهار، أو في ليلة عرس دقت دفوف فيها بلا هوادة.
شبق يشق الجيب ويصرخ بالروح أين هو؟
أين الذي يطفئ النار التي لا تهدأ، وإن انطفأت خارج الروح؟؟؟؟
بجواري كانت تتململ فوق سريرها كالحلزون، الذي يعبر الحديقة الخلفية في هدوء وطمأنينة.

وفي همهمة قالت :

سأكتب لك رسالة من سطرين فلا ترد على رسائلي، إنني مخبوءة بالحاجة التي لا أرغبها وأرغبها بشبق فيروزي.
أنت لا تعلم كم للمرأة من حاجة ماسة لرائحة رجل يفترسها ؟
المرأة دائما تنتعش بالافتراس، وتموت بدونه. ومن أجل الحصول على رجل مصاب بالسعار معها في ليل كهذا الليل، تموت وتحيى كل ساعة..
فكرت كثيرا وأنا بجوارها أتأمل شيئين . تفاصيل جسدها اللؤلئي، وانعكاس الضوء في تقاطيعها المتوهجة بخفوت الصمت.
شيء في هذه الحالة يواتيني بخفوت كزغب الإذن، بعد مسحها بماء الورد.
والكلمات تعبر في الأفق ملونة بطعم ولون الجسد.
رسالة من حرفين أو من سطرين أو حتى أطلب منها أن لا ترد على رسائلي، أو هي تطلب عدم ردي على رسائلها………عجبا…!!!
قلت لها عدم الرد هو رد في ذاته.. لم ترد .. تأوهت فقط.
التأوه له طعم برتقال فلسطيني. المكان له حجم الكون، والليل له شيء من الماء المراق على مؤخرة فتاة غجرية في العشرين من العمر، وهي ترقص في غنج.
أوكأنه الماء يتدفق بين صخور الذاكرة الصغيرة بكسل.

قالت:هذه هي الذات المقصودة في عمر مسيرة الحلزون، الذي لو مات بسحق قدم سائرة لا يأبه ليكون كل شيء قضاء وقدر.

قلت :كل أعمارنا قضاء وقدر.. وعمرنا هو كذلك وكل ما نفعله أيضا..
ثم سألتها ما رأيك في هذا؟
وضعت أصبعها على فمي وهمست: ليس للسؤال مكانة هنا ..
نحن حلزون يعيش لحظة نسيان ذاته، في رطوبة العشب الأخضر، نحن مسننة في بعضها تتداخل..
تعبيرها جعلني أتلوى فيها، وهي قد بدأت تتلوى فيّ، وكأننا مسننة تتلوى في بعضها باشتهاء وليونة. كل شيء فينا مزيت بدهن له رائحة العطر والرغبة.
فينا الرغبات كامنة ومطلقة، و فينا تتلون الكلمات بألف لون ولون، وبالنسبة لها لاشيء يستحق العبادة كلحظة نعيشها معا، كمسننة تتداخل.

لاشيء الآن أبدا، لا حروف الآن ولا صوت الآن، له معنى فينا.

هي تتأوه وأنا حلزون يعكس طبعه في التكون، ليعود إلى القوقعة، متمتعا بالعودة للمهد الأول في داخل الرحم.
هذه الجذابة كبطانية في أيام الشتاء، حينما تتوالد حاجة ماسة للآخر وتنبع شهوة مثل فوران إبريق شاي فوق الموقد.

تقول إلى: عليك اصطيادي وأكلي، وتمزيق كل ستائري بلا هوادة، ولا شفقة..
أريدك أن تكون شيئا أعجز عنه، بل تعجز الكلمات عن التعبير عنه، أو حتى وصفه في أي حالة، مهما كانت قدرة البلاغة وقدرة القائلين..

قالت في أذني وكلماتها تتلوى بموسيقية في عقر الأذن:
أشعرني بأني ملكة الكون الآن، وعبده اللذة الآن.. أشعرني برخاوة كالحلزون داخل القوقعة اصطدني كعصفور ملون في يد طفل..
المهم افعل أي شيء .. عليك اللعنة ..
ثم تعظ بأسنانها كتفي .. أصرخ من الألم واللذة..
أفيق لأجد أن العرق قد كلل جسدي في حالة خوف وقشعريرة.
الشمس كانت تتأبط درجات السماء في كبرياء وثقة لا تطاق..
جلست أتأمل الغرفة حولي، وأحسب قطرات العرق في كفي.

من تكون ؟..
ثم سألت نفسي من جديد. من تكون؟؟
لماذا حلزون أو مسننة تتداخل في بعضها. مالكلمات التي تشبه وصفها؟
في سريري تلكأت بكسل قبل ذهابي للحمام لأغتسل، كان صوتها عبر الحلم، أو عبر بقايا الحلم يعبر طبلة الأذن دون صوت..

ما رأيك بالخطيئة ؟
قلت لها - أعني لنفسي - : الخطيئة تجربة .. لكني لا أقدر أن أقول بأنها رائعة. فقط أقول إنها تجربة تستحق ولوجها حتى نقدر أثرها في النفس..
المرآة في الحمام كانت تسخر من وجهي المبعثر بفوضوية قلقة.
الرطوبة والصابون والحاجة للانتعاش دفعوني لارتداء ملابسي بسرعة والخروج للشوارع لأصرخ في المارة…………..أين هي؟؟؟؟؟؟؟.

يا ناس………….. كيف أخرجها مني أو أخرج منها؟..

قالت. من سيسمعك؟؟ بل من سيجيبك؟؟..
بل من يستطيع أن يكون مسننة، أو حلزون، يعبر العشب بهوادة غير آبه.. أبدا. غيري أنا فيك…….

::. حسين العلي


وردة
(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 09 نوفمبر, 2009 06:51 ص , من قبل فدك علي
من المملكة العربية السعودية

..الراقي .. حسين العلي..
.
.
الراقي بكل معاني الرقي أنت ترسم الحروف فتصبح درر وألماس..
لقد توقفت كثيرآ أمام كلماتك وحروفك ونزف قلمك فأيقنت أن الإبداع
مرتسم في أحاسيسك المرهفة ..
وأنني أمام كيان عظيم يحوي سمو أعظم فماذا عسى أن أقول..
فإحساسك فوق المعقول حس يسري بكل العقول
ويبقي البطل في سطور عذب الكلام..

كلماتي قليلة بحق هاماتك وأود ان اسجل اعجابي الكبير بتألقك وقلمك..
وحرفك المعطر بالشاعرية والاحساس المرهف..

حسين العلي

لقد استوقفتني كلماتك

وجعلتني أعيدها وأكررها ،، ما أعذبها

يتساقط منها وصف ،، بارع ممتع معبر
أشعلت مدونتك بفوح عطرك الجريئ الرائع
وقلمك المبدع النابض المتميز عن غيره

تقبل مني ارق واعذب التحايا بكل الود..
دمت لنا مبدع كما انت وحفظك الله من كل سوء

كانت هنا (فدك علي)




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية