عطش الماء
.. حسين العلي ..

:: الخيمة

كنا جميعا نتسابق في قول النكت المضحكة ، وكلنا جلوس نتدفأ بنار الموقد ، الذي صنعناه من الرمل والحصى في تلك الخيمة ، كل منا يعرف زميله الآخر لأننا جميعا نعمل لدي شركة واحدة، وبالتالي ليس بيننا غريب، وإن اختلفت وظائفنا فإننا نلتقي يوميا حين الدخول والخروج من العمل وفي الحافلة أيضا.
في الخيمة الكل كان يحاول بعد العشاء واحتساء الشاي ، أن يضطجع على فراشه لينام. إلا أثنين من الزملاء ، كانا يحاولان أن يبقون روح الدعابة مستمرة، ويحاولان إضحاكنا بأية وسيلة ممكنة، لكن النعاس كان أقوى منهما حتى لم يبقى سواي يراقب النار المتبقية في الموقد.
كانت النار شبه خامدة وكأنها تود أن تنام هي أيضا. أغمضت عيني.
الدفء لذيذ و له طعم لا أعرف كيف أصفه، له شيء من أحساس الأمومة ودفئها في ليل الشتاء الطويل .
ربما هو كذلك.
سألت نفسي عن إحساس الأمومة، لكني لم اصل إلى تصور محدد لذلك الإحساس. وبدأت
أغمض عيني وأفتحهما بهدوء وكأني أختلس من النار عريها.
اللذة ، لذة خدر النوم ، بدأت تسيطر علي بشيء من الرخاوة يكملها التثاؤب، والنار بدأت تنطفئ قليلا قليلا، ويخبوا نورها إلا من جمرات ضلت تصدر الحرارة نحو وجهي القريب منها وتلونه بلونها الأحمر.
كنت أحاول أن اكتشف النار ، أو اعبث بها ، كما هي عادتي في تجريب الأشياء وأود التعرف عليها بعدة طرق غير مجربة ، هذه العادة التي كلما جربتها تشعرني أن على أن أجرب ، وأجرب كل يوم طريقة أخرى.
أحاول تفكيك الأشياء لإعادة تركيبها بأسلوب غير الذي كانت هي عليه في السابق.
هذه الطريقة تمنحني قليلا من الرضا عن نفسي ، وكلما جربت طرق غير التي جربتها وغير متوقعة كانت النتائج تمنحني مشاعر مختلفة باختلاف التجربة ذاتها.
كنت أغمض عيوني وأتخيل النار تراقص الهواء وكأنها عاشقة تراقص عاشقها فوق رمال صحراء عند الغروب وحمرة الشفق تلون السماء في تلك اللحظة ، و ليس بينهما سوى تلك الرقصة اليتيمة وسيرحلون بعدها إلى المجهول .
كيف يكونان غريبان ويرقصان فوق الرمال في ذلك الوقت ؟ ،
لا أعرف ، لكني قبل أن استغرب من هذه الحالة ، وحتى لا يبهت ويذوب هذه التصور الغير مرتب في ذهني ، حلمت أو تخيلت ، أن النار لها عظمة ساحرة وطاغية على النفوس ، مثل ضريح كبير على شكل هرم من الرمل ، تلجئ له النساء الآتي يردنا الحمل ولا يجدونه في كل الأوقات بل في بعضها ، فقد تذكرت قول جارنا الذي لم افهمه في حينه ، حين رأى سيدة من أهل الحارة توفى زوجها منذ مدة ، وقال .. آه يا هذا .. عنقود عنب .. ، ليس له قاطف ، لم اعرف مقصده ولا ما تعنيه كلماته ، إلا بعدما كبرت وحين سألت عنه بعد مرور تلك السنين قيل لي إنه رحل من الدنيا وهي أيضا تبعته إلى الآخرة ، وكم تمنيت أن يقطف عنقودها أو تقطف عنقوده في الجنة ، هذا جرني إلى شيء أخر.
هل الجنة بها نار مثل التي أمامي ، تدفئ وجهي وتطرد برد الشتاء ؟
قيل كثيرا حول الآخرة والجنة والنار ويوم الحساب، لكننا لا نعرف حقيقة ما هي الجنة سوى التصور الذي نتمناه لأنفسنا ، وما جاء في الكتاب المقدس فقط.
تخيلت الدفئ وما يتركه من إحساس على وجهي، وكأنه شعر أم ساقط فوق وجه رضيع في حجرها يلهو و يداعب حلمة صدرها بتمعن ، وهي لاهية عنه ، تاركته يعبث كما يشاء بتلك الحلمة الغامقة ، فيده لا تستوحشها ولا تخيفها فليس يد الرضيع لسان نار في طرف ثوب قطني .
ثم أعود للنار أنظر إليها وهي تخبو، وقربي أحد الذين كانا يحاولان أن لا ننام، وليس بيننا سوى هذا الموقد المصنوع من التراب والحصى ، وضوء النار يلون وجهه كما يلون وجهي، وهو مغمض عينيه، بعدما مل من محاولة إبقائنا مستيقظين.
تذكرت أنه يوما ما ، قال لي عن ذكرياته وهو صغير، قال أنه لا زال يتمنى روية تلك السيدة التي ساعدته على تعلم الرسم فوق الرمل حين تعطلت بهم الناقلة في طريق الحج ، قال كنا حجاج كثيرون ، وكانت تلك الناقلة ضخمة وعتيقة ، هي التي تنقل الحجاج رغم بعد المسافة ووعورة الطريق ، إلا إنه لم يكن لدى الناس إلى تلك الوسيلة وما شابهها ، وكنا في ليلة مقمرة ، اتخذت جانب الرمل ، وجاءت بقربي كان آنا ذاك عمري لم يتجاوز السابعة عشرة . جلست بقربي، وعلمتني كيف ارسم الأشياء بدل كتابتها، وقد قالت أن الرسامين هم وحدهم الذين يستطيعون صياغة شكل الكون حسب ألوان قزح وأحلام العشاق، تبسمت بشكل لم أعهده من قبل ، أغمضت عيني خوفا من رحيل بسمتها ، ثم فتحت عيني بهدوء لأجد وجهها قرب وجهي حتى كادا وجهينا يتلامسان وشفتانا ترتجفان ، أحسست ساعتها بشيء لم اعرفه من قبل ، كانت حرارة تعتريني ، حرارة تتلبسني مثل النوم ، لا بل شيء من الدفئ لا يمكن تفسيره ، ربما هو مثل حنان الأمومة ، لكني غير متيقن من شيء ، إلا أن الأمر مختلف جدا ، وفجأة كان أبي يرفسني لصلاة الفجر.
ربما كان حلما ، وليته لم يكن حلما. أنا آسف لا أريد حرمانك من التخيل أو حتى الحلم لكن هذا ما حدث فعلا .
تذكرت حكايته تلك ، التي مرت عليها مدة طويلة ، مما دعاني أن افتح عيوني بهدوء ، لأرى وجهه من جديد، و كأنني في حاجة للتعرف مرة أخرى عليه ، وعلى وجهه الملون بلون النار الخابية بيننا.
فتحت عيني ووجدت لمعة صغيرة قرب عينه ، وكأنها أخر شعلة تنطفئ من ثقاب في دهليز طويل ومظلم ، وبعادتي التي استحسنتها لنفسي ، في معرفة الأمور وتجربتها ، تفحصت تكل اللمعة الصغيرة ، لأجدها دمعة تسيل على خده .

هرب مني نومي ، واختفى الخدر اللذيذ من جسدي ، تلفت حولي وإذا الجميع نيام.
ماذا يبكيه في هذه الخيمة ؟
وقد كان صوته مجلجلا بالنكات مع الجميع ، ومع زميله حينما أردنا النوم
لابد أنه يخاف النوم ؟
و يخاف الظلام ؟
و يخاف الذكريات التي تأتي في لحظات الهدوء والسكينة ؟
هل كان يقاوم ألم معين داخله؟ مغص ؟ امتلاء مثانة بالبول ؟
وهل المبتسمون بالضرورة يخبون خلفهم آلام دائما ؟
همست له حتى لا يسمعني غيره ، قلت له.. أتبكي وأنا بقربك ؟

نظر بقلق حوله . قال لي أرجوك حاول أن تنام ، إنني مثل الذي يصلي نصف الليل، لا تخدش صلاتي، وهذه ليست دموعي بل هي دموع من حملتها في صدري أمانة.

لم افهم مقصد قوله.
حينما جلست وتوجهت له ، وقبل أن أبدأ بسؤالي الساذج ، وضع كفه على فمي وهو لازال يكفكف دموعه بالأخرى.. قال أرجوك .. هذا يكفي …

::. حسين العلي


ساحل
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية