عطش الماء
.. حسين العلي ..

:: تــــــــــــــاء نـورة

الحافلة تهتز والطريق طويل، طويل كالملل نصف الليل.
بعدما سرنا من محطة الحافلات بنصف ساعة شعرت بالملل، تلفت أتفقد وجوه الركاب.
الحافلة ممتلئة بالبشر، وجوه عابسة واخرى عليها سمات الفرح. والنائمين كثر.

بجواري ولم التفت نحوه، رأيت وجهه في المرآة التي فوق رأس السائق، كان مثلي ينظر إلى المرآة.
ملامحه صامتة لا تبيح بشيء، المسافة بيننا معدومة، حتى ظننت لو أن صوت المحرك أختفى لسمعت دقات قلبه. رائحة عطره خفيفة ونفاذة، تنبعث من ثناياه كلما تحرك.

الحافلة تهتز فتهتز صورتنا في مرآة السائق.
المسافة طويلة، مما اشعرني بالملل، صرت أتذكر أمور عدة. أمور مرت منذ سنين، وبعضها منذ أيام فقط.
ولازلت أنظر إلى وجهه في المرآة، وهو لم يشيح بوجهه وكأنه يكتشفها لأول مرة.

تذكرت رحلتي إلى بغداد. أول مرة ركبت فيها شاحنة كنت في العشرين من العمر.
الطريق من الأحساء إلى الحدود العراقية ترابيا في ذلك الوقت، والناس والبضائع معا في تلك الشاحنة العتيقة.
عندما اضوى الليل، حدث أنني كنت أصغرهم سنا، مما جعلهم يضعوني بالقرب من النسوة، وفي منتصف الليل والجميع نيام وهدير المحرك يشق صمت الليل، ويزلزل سكون الصحراء، لم أشعر إلا وأناملي مشتبكة بأناملها.
كانت في مثل سني، وقبيل الفجر، اكتشفت أن لمس ثدي أنثى، لهو يوم قيامة.

الشاحنة تهتز، وصوت المحرك يلوث سكون الليل، والكل نائم إلا نحن.
أنا وهي بيننا صندوق خشبي صغير.
ايدينا تشابكت، ثم بدأنا نتفقد بعضنا، كل منا بأنامله وبصمته وبتوجسه وفي غفلة من الجميع يكتشف الآخر.
بعدها لم أنم لمدة يومين، مأخوذا بجنون الإكتشاف.

لازال وجهه يملئ المرآة.
ماذا يريد؟…. ملامحه الصامتة وقربه مني….َ!!!
من يكون وإلى أين متجه؟؟؟.

عليك أن تكف هذه التساؤلات الزائدة، لتهتم بأمورك فقط، تخلص من هذا الفضول.
لا تضيع وقتك في شأن غيرك، الناس لهم خصوصياتهم دائما.

قلت لنفسي هذا الكلام، وخفضت عيوني عن المرآة، لكني لم أستطع إلا الألتفات نحوه. فلم يبتسم ولم يغضب، لا أعرف كيف يستطيع بعض البشر الوقوف على الحياد.

يا أخي تحدث معي….. أنا أسمي حسين عبد الكريم.
أمي اسمها نورة.
يمكنك أن تناديني …. حسين نورة….. أو ولد نورة..
أحب هذا الأسم بجنون.
نورة تلك…….. هي أمي. ………. رائعة هي…. مختلفة هي………..

لو أنك عرفتها حتما ستحبها لامحالة، مميزة بتفكيرها. مميزة بشموخها……
حتى الحساسية التي تُضيق نفسها بين الحين والآخر، تفلسفها على أنها حركة لا إرادية نفسية، للدفاع عن موقف ما تجاه الآخرين.

رقيقة هي…………. عاشت كل أيامها تراقص الوحدة.
ورثت الكثير عنها. أخذت من طباعها حب الناس، وبذل قصارى جهدي لأكون وفيا معهم.
مانختلف فيه إنها تشعر بالوحدة…………. ، وأنا اشعر بالغربة.

هل هناك فرق بين الوحدة والغربة؟.
هل أسم أمك جميل ورائع كما هو أسم أمي؟.
وهل تحب أمك كما أحبها؟.

نورة …….. نورة ……. ما أجمله من أسم ….. ما اروعه من أسم..

تصور يا عزيزي.
جدي زوجها أبي، وهي طفلة، لأنه خاف عليها، من عيون الناس.
قال للجميع:
هي جميلة وروحها جميلة وقلبها رقيق…….، حياتها خطرة والآن لابد أن تتزوج.
تصور تلك الطفلة. تزوجت وكونت أسرة، وصنعت أسم له بريق اللؤلؤ، وقامة تطاول هامات الرجال. ومع ذلك لم تنزع عنها ثوب الوحدة….

ارجوك تحدث عن أمك؟؟

- أسم أمي نور ……
- صحيح !!!!!!؟
- نعم. أمي نور…….

أيضا هي مختلفة. سافرت منذ زمن طويل في حقول الارز والنخيل. وأبي أيضا سافر وأخوتي الواحد تلوى الآخر. وهذا أنا اسافر وحدي.
- (( أنت من سيرافقك في هذه السفرة ؟ ))

نظرت في وجهه لعلي أرى شيء يثبت لي أنه فعلا حدثني……………لازال وجهه محايدا.

قطعنا مسافة ليست قصيرة، تجاوزنا الكثير من الشاحنات المحملة بكل شيء.
كما تجاوزتنا العديد من السيارات الصغيرة المسرعة.

عند نقطة التفتيش صعد جندي، وسأل السائق عن قيد الركاب، وكم عددهم.
فتح فمه بتثاقل وبدأ يقراء الأسماء، ويعد.
ثم قال للسائق: هؤلاء الأثنين ليس ضمن القائمة؟.

- نعم ركبا من محطات فرعية، وأحدهم سينزل قرب محطة الوقود القادمة. أما الآخر فهو مسافر نحو الميناء.
سألني الجندي.

- أسمك؟.
- حسين نورة، أقصد حسين عبد الكريم.
- إلى أين متجه؟.
- نحوى المينا، امامي سفرة طويلة. العمر كله قد لا يكفيها.
نظر إلى وجهي ثم إلى بطاقتي وأعادها. ثم التفت نحوه.

- أنت……. أسمك؟.
- حسن نور.
- إلى أين متجه؟
- إلى المطار.
- لكن السائق قال أنك ستنزل في محطة الوقود القادمة.
- صحيح. لي من ينتظرني هناك، لدية أمانة سآخذها معي.
- هل لديك بطاقة أثبات هوية؟
- نعم تفضل.. أعطاه ورقة من بين كتب لم الحظ وجودهم بجواره.

بدأ الجندي يقراء…… حسين نور، من مواليد الثالث عشر من صفر. المهنة عاطل.. العمر أثنين وأربعون سنة.. اللون حنطي معتدل.. من مواليد المبرز .. حارة العتبان.
ثم توقف متسائلا وهو يمسح على فمه بظهر يده.

- هذه لا تكفي، أريد بطاقة أثبات هوية، وليس ورقة من العمدة.
- المعذرة يا سيدي هذا ما أملكة وأنا على كل حال مسافر قد لا أعود.

دان على الوجوه صمت ثقيل……….

أنزله الجندي معه. وهو ينظر إلي في صمت، ملامحه تحمل الكثير مما لا أفهمه.
التفت نحو المرآة، لم يعد وجهه يملئها. نظرت عبر النافذة كان يقف وحده.

لاجندي ولا نقظة تفتيش!!!!!!!!!.

وقفت في حيرة …….. تمنيت أن اصرخ ليسمعني، تمنيت لو يعود لأهديه تاء مربوطة………

::. حسين العلي
3/10/2005م


طفلة
(4) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 01 مارس, 2007 12:49 م , من قبل مريم احمد الحرز
من المملكة العربية السعودية

كيف اختفى ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ زمرة الحزن تجعل الحاضر غائب والغائب يحضر.
كان الله في العون.

عمل يجعل القلب . يعود إلى ال.....


سلمت أناملك


اضيف في 02 يوليو, 2007 11:59 م , من قبل فطوم
من المملكة العربية السعودية

كعادتك سيدي ,,
تشعرني حقا ,, بأني أقبع أحد المقاعد
بحظوري أمسية ناطقة ..
شاشة سينما تعرض فيها مايدور في خلد
كل مسافر ,, وكل من سبق وركب الحافله
تسرقني من موقعي وذاتي وترحل
بي الى ذكرى تحييها في قلب لا طالما
أحب التيه والسرحان عما يدور حوله
خذني الى حيث ألمس رقاقات الذاكرة الماسيه
تلمسها ,, وأقطن بناظريك فيها
علها تجد الامان ,, وتشرق
في مسرح حياتي كعاصفة احداث لذيذة
مشرقه ,, عاتيه !!! متمردة
حيث يقبلها عقلي جنوني ,, وترفض
من قبل من لا اعترف به البته ..
تحية بارقة تعصف أجواء السكون
وتخترق مجرات العالم وتصلك حيث تكون ..
لك جل الشكر
فطوم الروح


اضيف في 03 يوليو, 2007 12:00 ص , من قبل فطوم
من المملكة العربية السعودية

كعادتك سيدي ,,
تشعرني حقا ,, بأني أقبع أحد المقاعد
بحظوري أمسية ناطقة ..
شاشة سينما تعرض فيها مايدور في خلد
كل مسافر ,, وكل من سبق وركب الحافله
تسرقني من موقعي وذاتي وترحل
بي الى ذكرى تحييها في قلب لا طالما
أحب التيه والسرحان عما يدور حوله
خذني الى حيث ألمس رقاقات الذاكرة الماسيه
تلمسها ,, وأقطن بناظريك فيها
علها تجد الامان ,, وتشرق
في مسرح حياتي كعاصفة احداث لذيذة
مشرقه ,, عاتيه !!! متمردة
حيث يقبلها عقلي جنوني ,, وترفض
من قبل من لا اعترف به البته ..
تحية بارقة تعصف أجواء السكون
وتخترق مجرات العالم وتصلك حيث تكون ..
لك جل الشكر
فطوم الروح


اضيف في 09 نوفمبر, 2009 12:07 ص , من قبل فدك علي
من المملكة العربية السعودية

آلام وأحزان وهموم
تهجم عليك دفعةً واحدة لا تترك لك المجال
لترتاح ولا ترتاح سوى بنثر أحزانك
وإن نثرتها تصب عليك أحزان أخرى
بسبب ما أدمعت أعينهم من أحزانك
فلا تعلم ما تعمل

سيدي الفاضل
راسم لوحات الإبداع
متحفنا برونق حروفه

تعود من جديد لتتجرع مرارة الأحزان
مرارة تتغص في ابتلاعها
لم تتذوق مثلها في المرارة
تبحر بك في زمانك الماضي
لتعيدك إلى حزنك

سيدي حسين

كاتب الكلمات الرائعة
ناثر الحروف البراقة
راسم المعاني الجياشة
لك كل الود
احترامي وتقديري

فدك علي




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية