عطش الماء
.. حسين العلي ..

:: أشياء صغيرة

 

 

خرجت زينب وهي الصغيرة بين الجميع تحمل قطتها، وسولافة تلتفع كعادتها بملفع أسود من الحرير وهي صامتة.

أما أمي فلم تستطع الوصول إلى الباب الخارجي، كان الجميع يلوحون لي قبل الرحيل بدقائق، مودعين ابنهم الذي سيسافر للمزيد من التعلم الجامعي في مدينة بعيدة.

 

تفقدت حقيبتي الممتلئة بالملابس والكتب، وكنت قلقا من أن تتمزق لعتقها فقد أتذكر أن أبي اشتراها منذ سنين.

رحل عنا أبي وأمي أصبحت مقعدة تتحرك فوق كرسي، وسولافة البائسة لأنها لم تتزوج وقد أكملت الأربعين من العمر، وزينب ابنة أختي فاطمة بسبب الخلافات بين أمها وأبيها تربت عندنا.

 

وبعد هذه السنين الطويلة لازالت الحقيبة تتنفس مثل قط عجوز..

 

تأخرت الحافلة قليلا عن الموعد المحدد، مما سمح لي أن أتفقد الجيران حولي.

لم اطرق باب أحد، بل اكتفيت بمن كان متواجدا ساعة الرحيل.

 

الرجال الذين وجدت بعضهم واقفا قرب بابه، تقدمت نحوه مصافحا ومودعا، والنسوة الآتي يقفن في انتظار شيء ما في دروب الحياة، قلت لهن أنني مسافر للدراسة فطلبوا من الله لي التوفيق.

 

كنت فرحا وحزينا في نفس الوقت، فراق أمي والمستقبل، كليهما يتصارعان داخلي.

ففي رأسي الفرح والحزن، يتصادمان دائما، كالماء والشاطئ.

نادتني أمي، وحين دخلت إليها.

قدمت لي منديلا صغيرا كتب عليه شيء من الآيات القرآنية. فتأملته وفرحت..

و شعرت بالطمأنينة، لأنه من أمي.

وضعته في جيب صدري بسرعة، حينما سمعت صوت توقعت أنه صوت الحافلة، وفي الخارج لم أجدها قد وصلت، في نفس الوقت مدت سولافة يدها لتأخذ المنديل الصغير.

تأملته وأنا أراقبها بفضول، توقعت أن تقول أنه منديل جميل، لكني وجدتها تسترق النظر نحو بيت الجيران المقابل لبيتنا، تتبعت خطوات عيونها لأجد أن بنت الجيران خلف النافذة..

أعادت لي المنديل وهي تهمس بسؤالي..

 

-        هل المنديل جميل؟

-        نعم انه جميل بآياته القرآنية.

-        هو من صنع سارة.

-        بنت الجيران؟

-        نعم وهي تراقبك الآن حينما تصعد إلى الحافلة لا تنسى أن تلوح لها بكفك، ولا تدع غيرك يراك. وإن لم تستطع فابتسم لها على الأقل..

-        لماذا؟

-        ستعرف فيما بعد......... قالت ذلك وهي تبتسم..

في الحافلة مع شدة الزحام غادرت الشارع دون أن الحظ أحدا، وفي المدينة البعيدة بدأت اكتب لأهلي عن الجامعة، وبدأت سولافة ترسل أشياء صغيرة وجميلة مع الرسائل، حتى تكونت مجموعة كبيرة من الأشياء التي تصلح لمتحف، أو لغرفة أطفال..

 

مناديل ملونة صغيرة، عرائس، رسوم لبيوت وأكواخ صغيرة، رسوم لساعات حائط، أكواب للشاي، منافض سجائر، طيور ملونة أطفال عيونهم واسعة وجميلة، ووو.....  الكثير من التحف..

وقبل انتهاء الدراسة بثلاثة اشهر علمت أن كل هذه الأشياء من بنت الجيران.. لم أتأثر .. تابعت دراستي كالعادة، حتى علمت أنهم سافروا إلى العاصمة بعدها انقطعت تلك الهدايا الصغيرة الجميلة...

 

خمس سنين مرت، وأنا بين الدراسة والوظيفة ومشروع التخرج.......... والعودة.

نعم خمس سنين،

 

لأجد أن سولافة لازالت عانس كما هي، وزينب تدرس بالثانوية، وأمي قد توفيت، وبنت الجيران في المستشفى تبحث عن متبرع بكليته، ولا تجد أحدا يساعدها..

 

عدت إلى سريري، وبدأت انظر إلى التحف الصغيرة.. وتساءلت لماذا كانت تصنعها لي؟؟

في الصباح الباكر هرولت إلى المستشفى، سألتهم عنها، فلم أجدا جوابا سوى سؤال من رئيس القسم. حين قال... هل أنت من أقاربها؟..... إذا خذ هذه الأشياء..

كان كل شيء انتهى  وبقت أشياءها الآن تقبع بصمت أمامي...

 

 

حسين العلي

 

24/9/2004م

 

 

(5) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 01 اغسطس, 2006 02:56 م , من قبل جينا
من مصر

رغم الحزن

رغم الالم

الا انها قصة رائعة بمعنى الكلمة

بالتوفيق والنجاح الدائم

تحيتى لك


اضيف في 02 اغسطس, 2006 12:19 ص , من قبل حسين العلي
من المملكة العربية السعودية

تواجدك هنا لهو الأروع فمرحبا بك في صفحتي لأتشرف بقلمك..

أهلا بك سيدتي دائما وأبدا.

مرحبا


اضيف في 08 اغسطس, 2006 05:38 م , من قبل أمل
من المملكة العربية السعودية

بسم أقداس الخردوات التذكارية
بسم سمو كلمات الآثار القديمة

قابع هو أو مغموس في غربته ؟؟
ليتسنى للكواليس أن تغض بصره عن الحقيقة
ذاك الفتى لم يألف التصرفات الإعتيادية
ثم عاد إلى بلده ليألف معانيها ؟؟

كيف ؟ وهل يستطيع ؟

جميلة جداً أخ حسين العلي ..
قصة تمثل فيها الفن حاكياً معه الإبداع

دعواتي ..


اضيف في 15 اغسطس, 2006 01:56 ص , من قبل حسين العلي
من المملكة العربية السعودية


بل دعواتي أنا لك ولوجودك ولقلمك المبدع أينما حل ..

فالجمال ما أتى به تعبيرك المميز دائما..

كجمال العصافير والأمل والتميز.

شكرا لقدومك وكم سيكون الجمال أجمل لو أنني قرأت حروفك في كل مشاركاتي ..

الأديبة الرائعة .. أمل ..
لك خالص التقدير والثناء.


اضيف في 09 يوليو, 2007 02:55 ص , من قبل فطوم
من المملكة العربية السعودية

هذه المرة استلمت مطويا اشبه
بمطويا كنت امتلكه
شككت بالامر
وقلت منذا سيرسل لي ما امتلك اصلا
في البداية ,, تأقلمت روحي
مع نسج الحوار القصصي وتسائلت
هل هو بالفعل حوار من نسج الخيال
ام حقيقة فرح عابر , ثم حزن ماطر
ثم رحيل وسفر وحقيبة تحمل تجاعيد
زمن قاهر ,,
بعدها استوقفت للحظات ..
هل انا اقرأ مطويا لأحد ما ...
ام انني اقرأ مطويا لي كنت امتلكه ..
انما هي الصدفه في تصادق الحوارات
لا اكثر ..!!
انما هو الابداع .. لا يختار صاحبه
ولا حتى رفقاءه ؟؟...!!!!
هل ترى انك وصلت متأخرا .. لتحظى
فقط بأشياء صغيرة ليست بالصامته
وانما ناطقة بلسان من لامست
دقائق تلك الاشياء ..؟؟
لعلك لم تتأخر .. ولعل الزمن
اعطاك فرصه تستحق المجازفة من بعد
ضياع سندريلا التحف
اوا لست معي ,, بأن الحزن لحظة صمت
تنبأ عن غضب بركان لاحق ,,
وما ادراك عن بركان غاضب بحنية
لا يدركها سوى محترقيه
..........................
تحياتي لصاحب المتحف ,, وكن جديرا
بحمل اشياء صغيرة ,, في جوفها
قلب اميرة ..
فطوم الروح




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية