عطش الماء
.. حسين العلي ..

:: المرايا

 

 

حين قال جدي الشيخ أن التصوير حرام وأن المرايا من وجوه الشياطين، سخرنا كلنا منه.

الآن أعود، لأسمعه وكأنه حي يرزق بيننا.

 

.. أنا قلت لكم يا أبنائي أن الرسم والتصوير من أعمال الشيطان، وأن المرايا هي سلاح لكشف عورات النفوس، وتمزيق ستائر البيوت، وفضح ما بها وما تخفيه..

ولتعلمون أن من انشغل بوجهه ومحاسنه، انشغل عن ذكر الرحمن.

ثم تمر لحظات صمت نظن أنه أنهى كلامه، ثم بدأ لكن باختصار شديد قائلا.. احذروها..

نبتسم وننسى، والأيام تعيد الاسطوانة  من جديد.

 

هذه المرايا الآن، تكشف مالا يكشف من أسرارنا.

ففي حفل زفاف احمد وفوزية.

حينما جلسنا جميعا نتسامر، ونتحدث في كل شيء، كانت المرآة في الممر تهمس إلي قائلة:

اسمع:

أتعرف صالح الذي يضحك بشكل متواصل، و الجالس على يمينك؟

إنه بنك للأحزان.

استغربت كيف يكون وهو الذي لم يتوقف عن الضحك والتنكيت ..

 

لقد خسر أخر لبنة في جداره، وكم حذرته من الجدران الواهية، والمؤسسة على الرمال، والملح. فلم يكن يستطيع الإنصات إلى همسي.

 

كانت منذ البدا تتسلى به، ولأنه لا يدرك النتيجة، فإن هروبه من الواقع إلى عالم النكت والضحك، في الواقع بحثا عن تعويض فقط، لكن لا فائدة.

لم يكن يدرك أنه ليس هو الأول ولا الأخير، بل هناك الكثير ممن سبقوه لصبغ تلك الجدار. وسيأتي غيره، ليضع لونه المفضل عليها.

وللأسف معظم الناس لا يدركون كينونة الجدران.

 

أنت مختلف.

أعني أنت غيرهم، أنت لك قدرة على الصبر، وقراءة الأوضاع، لهذا قلت كلمتك وقررت الرحيل بكرامة، لأنك قادر على سماع همس المرايا.

 والفرق بينك وبينهم هي نظرتك المختلفة للأمور، والأيام على أنها ليست ثابتة، بل هي في حالة من الصيرورة التي لا تُدرك، بينما هم يشعرون أن الزمن معامل ثابت القيمة، ويظنون أنهم قادرون على حساب زواياه ومساحته، لهذا أنت لا تبكي على شيء مهما كان ثمينا وزال.

لا أقصد انك لست وفيا لشيء، بل أنت تعي القيمة النوعية للأشياء كما هي.

لكن لست أنت أفضل منهم أبدا.

-        هل شتمتك؟؟.

 

 

لم اجبها، فلو نطقت بكلمة واحدة بين هذه الحشود لقيل عني فورا أنني مجنون.

كيف أتحدث إلى مرآة في ممر.؟؟!!

 

غير أنني قادر على إدراك المعنى، في لعبة الإخفاء والتغطية. والكشف الدائمة للمتعة حولي. ليس لأنني مختلف أو مميز، بل أنني غير مؤمن بشيء من الثوابت حولي.

بعد رحيل أخر الضيوف، لملمت الفرش، وأدوات القهوة.

أطفأت النور قبيل الفجر وسألتها لما لا تحدثني عن شؤون الناس حولي؟.

أنا يا سيدتي أحب سماع قصص الوصل والفصل.

كان الفجر ريضا لن يحن الآن، والصمت يملئ المكان، واسرجة الليل خبا نورها.

حاولت سرقة الوقت، لأتمعن في همسها، وهي صامتة في الممر الطويل.

اسمعها تتحدث لنفسها، أو تسمع نفسها قصصا من الخيال. فتنبهت لاستراقي، توقفت تبتسم وتشير إلى بالسبابة.

قالت: أنت ملعون، وكاذب ومخادع.... تريد مني معلومات عن الآخرين؟.

لن تحصل على شيء مني.

لكن دعني اعرض عليك وأشبع فضولك بقصة للتو صنعتها في خيالي لنفسي.

لأتسلى بها حتى محين الفجر.

قالت:

فاطمة أحبت حسين، وحسين تسلى بفاطمة، وحسين الآخر أحب فاطمة، وفاطمة تسلت بحسين.

هل فهمت شيء؟.

هززت رأسي بالموافقة. فضنت أنني أجاملها ولم افهم، فأعادته بصورة مختلفة.

هي أحبت الأول، والثاني أحبها، وتسلت بالثاني، لما تسلى الأول بها.

-        هل واضح كلامي.؟

-        نعم واضح.

-        جميل................. الآن هل تود المزيد؟

 

نظرت إلى ساعتي خوفا من ضياع الوقت في أمر لا طائل منه،..

هززت رأسي بالشكر إليها.

قلت وأنا أحمل حاجياتي.

اسمعيني يقولون ما شأن المرايا لمن لا يعتقدون أن وجوههم مكتملة.

أنا لي وعدي مع ذاتي عبر الأيام المتحررة من الثبوت إلى الصيرورة، فالحي لابد ملاقي الحي، ولكن في النهاية أن من يريد الاحتفاظ بشيء ثمين، عليه أن يدفع ثمنه، وخير مكان لحفظ السر كشفه.

تبسمت المرآة .. وفي طريقي للخروج.. قالت

لقد ترفعت عن التيه.. تبا لك.. ما أقدرك على اتخاذ القرار.. ليتها عرفت الحقيقة.

 

 

حسين العلي

 

4/6/2006م

 

(5) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 06 اغسطس, 2006 11:29 ص , من قبل حسن
من المملكة العربية السعودية

السلام عليكم
حروفك التي صففتها حرفا حرفا كونت كلمات مثلي لا يستطيع وصفها
في الحقيقة كم اود انا اعرف أي مرآة حادثت انت لكي اتعرف عليها
تحياتي
الامير حسن


اضيف في 07 اغسطس, 2006 09:27 م , من قبل حسين العلي
من المملكة العربية السعودية

مرحاب بالامير العزيز حسن.

المرآة هي من حدثتني يا سيدي ومن تحدثه المرآيا في العادة ليس له من يحدثه ..

مرورك رائع .. أهلا بكل في كل وقت


اضيف في 19 اغسطس, 2006 06:33 م , من قبل نــــ الـزهــراء ــــور
من قطر

أستاذي الفاضل حسين العلي :

أبدعت في توظيف التراث في قصتك الممزوجة بفلسفتك و نظرتك لكن أجد دائماً للغموض باباً مواربةً في قصصك .. و أرى أن الغموض هو روح القصة التي تبعث فيها الحياة و التفسيرات كل حسب فهمه فتتغير بتغير قارئيها

دمت في سملء الأدب مبدعاً

أختك


اضيف في 25 اغسطس, 2006 09:17 م , من قبل حسين العلي
من المملكة العربية السعودية

أهلا وسهلا بالأخت الأديبة .. نور الزهراء..

تقديري وشكر لحضورك وملاحظاتك القيمة ..

تواجدك كرم سيدتي ما بعده كرم..

مرحبا بك في كل وقت ..


اضيف في 04 اغسطس, 2007 03:33 ص , من قبل فطوم
من المملكة العربية السعودية

انت هي المرآة التي حدثتها وحدثتك
وماكنت ترى سوى روحا تحمل في كنهها
كينونتك انت فالمرآة هي انت وانت
هي المرآة
وانا معك عندما قلت
خير للسر ان يكشف !!!!
فسرك اصلا لم تكشفه سوى لنفسك
وان اخبرتك به المرآة او انت فضحت به
عندها فما كان الا منك واليك
... جميل ان استطيع محادثة مرآة
والاجمل ان استمع اليها , الى نفسي
الى ( انا ) تسمعني واسمعها
تحدثني واحدثها
تنازعني وانازعها
جميل ايضا منها ن ترسم ظلي قبل
ظل الاخرين
كي اعي من اكون واعي اين انا واعي
هل انا اقبع في زمن الثوابت
ام المتغيرات ,,,,
جميل ايضا ان اسمع قصصا واحاديث
عن الاخرين بالرغم من صمتهم الداخلي
,,,,,,,,,,,,,,,,
سيدي أمتعتني كثيرا ,, شوقتني كثيرا
وجعلتني في انتظار لحديث مرآة
وقد تكون المرآه في انتظاري
ولكن هل تعتقد انه من الممكن ان اكون
مرآه لأحد او احدهم يكون مرأة لي
وبما انك تؤمن بزمن متغير لا ثابت
هل المرايا ستتغير حديثها وفي
كونها من تكون
ام هي الثمين الوحيد الذي لا استطيع
دفع ثمنه ,,
اعذر خربشاتي
تحياتي
فطوم الروح




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية