عطش الماء
.. حسين العلي ..

:: ورقة التعبير

ورقة التعبير

 

في المدرسة قال الأستاذ لنا. اليوم عليكم كتابة صفحة من التعبير الأدبي.

كما يمكنكم كتابة الآتي:

وبدأ يدور بين الصفوف وهو يقول.

إن ليس ثمة شك أن المطر يحب الأرض، والمرأة تحب الإنجاب، والزرع يحيا بالماء.

لكن الشك الكبير جدا، بأن السماء تتمنى أن تكون أرضا، والأرض تتحول إلى سماء.

لسبب بسيط وصعب، إما كونه بسيط فلأنه سبب وحيد.

وإما أنه صعب فلأنه حتى هذه اللحظة غير واضح حتى بالنسبة لي أنا، وأنا الأستاذ.

ولم يشرح لنا حتى السبب البسيط.

 

أردت أن أسأله. وحين أشرت إليه بأصبعي قال.. صه . صه..

دعوني أغمض عيني، فإن الذي يغمض عينيه يرى كل شيء بوضوح.

لا تنسوا هذا اكتبوه في ورقة التعبير.

 

ساد الصمت قاعة الدرس، وتجمدت الأسئلة في رؤوس التلاميذ الصغيرة، فأغمضت عيني لعلي أرى ما يراه الأستاذ، وأنا لست واثقا أن الذي يغمض عينيه سيرى كل شيء بوضوح.

 

رأيت بطيخا أحمر، وعناقيد عنب، وسنابل قمح ذهبية في حقل واسع لا حدود له، ورأيت قليلا من الخيار. فتبسمت.

بادرني الأستاذ يسأل عن سر ابتسامتي.

 فقلت له ما رأيته.

تغيرت ملامحه.

سألني ما هو خيارك المفضل؟

فقلت له: أنا أحب الخيار مع الطماطم والخبز.

قال لي. أنت غبي، اختر البطيخ حتى تبقى حيا.!

لسببين الأول بسيط والآخر صعب جداَ.

لأن خيارك الأول مثل رأسك لايعدوا إلا بطيخة فاسدة، أما الثاني فإنه الخيار، ويفسره الناس بألف تفسير.

لكني لم أفهم مقصده.

 

رفعت كفي لأفهم. فقال هناك خيار بالطماطم وهناك خيار استراتيجي، لدى سياسيين البلد، وعليك أن لا تختاره، والبطيخ يناسبك وهو أسلم.

 

جض الطلاب بالضحك وتعالت الأصوات. حتى أن المدرس غضب وتركني ليفتح نافذة الفصل.

دخلت الشمس وأضاءت كل شيء، حتى الحزن الذي جئت به معي الى المدرسة، لأن أمي لم تضع قطعة الخبز في حقيبتي، مثل كل يوم.

 فمنذ رحل أبي عن الدنيا ومؤنة البيت في نقصان.

صرخ المدرس بأعلى صوته. هيا عودوا إلى ورقة التعبير.

 

بدأت أكتب......

آه يا أمي، الشمس تغذي الحزن، والناس مشغولين بين الخيار والبطيخ، ولعبة السياسة وفلسفة المدرس.

آه يا أمي. الشمس كما هي دائما جميلة، وكما هي دائما واضحة، ليتها لا تعري كل شيء تسقط عليه.

أمي. أمي قولي صباح الخير، قولي مساء الخير، لماذا الصمت يلفك منذ رحيل أبي؟؟.

 

يا أمي المدرس أطلق لحيته، والطلاب يتضاحكون على كل شيء، وأنا أريد أن أبكي أبي..

فالذي منعني أن أبكيه يوم دفنه عصفورة حلت على كتفي فخفت أن تنزعج تلك العصفورة الصغيرة يا أمي.

آه يا أمي. ماذا أكتب في ورقة التعبير؟

هل أكتب عن الشمس وعن حديث المدرس ووسوسته، أوعن النافذة المفتوحة؟

هل أقول إنك تخبزين الأرغفة السمراء، للبنائيين والفلاحين والعمال، وتحملين قفة فوق رأسك عند طلوع الشمس؟

أو أبلع صوتي وأترك المدرس لوحده يفكر في تبادل السماء بالأرض والخيار بالبطيخ؟

آه يا أمي..

 

ما أجمل الخيار مع الطماطم وكأس لبن وغفوة بعد الأكل وصوتك الدافئ في كل صباح يحيي أبي.

في الصباح.. صباح الخير.. وفي المساء.. مساء الخير..

 

تصايح التلاميذ من جديد وبدؤوا يتقافزون حين دخل عصفور صغير من النافذة.

لاشك أنه يبحث عني.

 

المدرس حمل عصاه في وجه الجميع ثم بدأ يطارد العصفور

أصبت بالخوف والحزن  والألم، لكنه توقف فجأة. عاد إلي، أخرج من حقيبته كتاب بلا غلاف قال . هذا لك.

أرني ماذا كتبت؟

قرأ  حروفي، غضب مني يا أمي،......... ثم مزق الورقة التى تحمل اسمك........

 

 

 

حسين العلي..

25/6/2004م

 

 

 

 

 

 

(15) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 25 اغسطس, 2006 11:39 ص , من قبل nisreen

عزيزي حسين
يسعدني ان اكون اول من يعلق على هذه المقالة الرائعة التعابير الهادفة للمعاني الساخرة من الواقع المرير
عزيزي
ما اجمل ان نستيقظ كل صباح على صوت ارق واغلى الناس
وما اجمل ان نذهب الى الحقل برفقة الحنون
وما اجمل ان ننعم بالسلام والامان

لك مني كل التحيات
دمت بكل الود


اضيف في 25 اغسطس, 2006 12:36 م , من قبل معتز محمدي

ياه فرصه جميله جدا
انا بردوا مختار لون الموقع زيك تمام
ربنا يزيدك كمان وكمان
اخوك معتز


اضيف في 25 اغسطس, 2006 07:20 م , من قبل حسين العلي
من المملكة العربية السعودية

اهلا وسهلا بالأخت ..nisreen زيارتك لمدونتي شيء جميل وشكرا لإحساسك المرهف ..

ألف شكر ..

كوني متواجده دائما ..


اضيف في 25 اغسطس, 2006 07:25 م , من قبل حسين العلي
من المملكة العربية السعودية

أخي معتز محمدي.

مرحبا بك .. وفرصة جميلة أن نلتقيك هنا ..

وفرصة ان نزور موقعك ..
ألف شكر لحضورك ..

لا تغيب ..


اضيف في 28 اغسطس, 2006 08:03 م , من قبل kandil2
من المغرب

السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته
اشكرك على دعوتك لتصفح موقعك القيم
اتمنى لك التوفيق والمزيد من التقدم


اضيف في 28 اغسطس, 2006 08:34 م , من قبل محمود النعماني
من مصر

شكرا للاسلوب الجميع الممتع
ساتابع باقي الصفحات لاحقا
تحياتنا لكم


اضيف في 04 سبتمبر, 2006 04:06 م , من قبل صحيفة ضمير الامة
من مصر

اشكرك سيدي علي احساسك المرهب وتعبيراتك الجميلة

دمت بخير
تحياتي


اضيف في 04 سبتمبر, 2006 04:06 م , من قبل صحيفة ضمير الامة
من مصر

اشكرك سيدي علي احساسك المرهف وتعبيراتك الجميلة

دمت بخير
تحياتي


اضيف في 04 سبتمبر, 2006 06:27 م , من قبل حسين العلي
من المملكة العربية السعودية

الاخ العزيز kandil2

لك خالص الشكر والتقدير .. تواجدك هنا يزيد المسرات..
اهلا بك في كل وقت


اضيف في 04 سبتمبر, 2006 06:29 م , من قبل حسين العلي
من المملكة العربية السعودية

اهلا بك اخي محمود النعماني ..

مرحبا .. ملاحظات الطيبة محل تقدير .. اهلا بك..


اضيف في 04 سبتمبر, 2006 06:31 م , من قبل حسين العلي
من المملكة العربية السعودية

اهلا بصاحب صحيفة ضمير الأمة . اهلا بك ايها المبدع الجميل .. موقعك فيه الكثير من الفائدة والجمال .. وفقك الله


اضيف في 06 سبتمبر, 2006 03:47 م , من قبل صحيفة ضمير الامة
من مصر

اشكرك اخي الكريم علي تعليقك الجميل
وادعوك لزيارة مدونتي
تحياتي


اضيف في 08 سبتمبر, 2006 10:37 ص , من قبل نور الله
من المملكة العربية السعودية



السلام عليكم

احببت ان ابارك لك ياصاحب القلم الجميل بهذه الصفحه التي تم انشائها مؤخرا
فستعرف نفسك للعالم وسيتعرفون عليك

رائع ماكتبت ونحن دائما في حالة انتظارومتابعه

احترامي


اضيف في 09 سبتمبر, 2006 09:07 م , من قبل حسين العلي
من المملكة العربية السعودية

أشكرك سيدتي الكريمة .. نور الله .. حضورك بهي وتشجيعك محل تقدير .. اهلا بك في كل وقت ..

دعواتك محفز لا أستغني عنه ..

كوني بخير سيدتي ..


اضيف في 20 اغسطس, 2007 06:03 ص , من قبل فطوم
من المملكة العربية السعودية

هل الحزن في فقد من واراه الثرى
ام على صوت يحي خفقان ميت مساء وصباح؟
هل ملاك يتغلغل في روح عصفورة
كي يسل الحزن عن جسد طفل
ام انها رحمة السماء في جعل علاج
بيد مخلوق صغير يحلق رافعا معه
حزن من حط بجناحيه على رحله؟
هل حزن ذاك الذي يسل دمعة مقهورة
من مخدعها المتقهقر
لاسم فقط مزق من على ورقة؟؟!!
ام الحزن كله في فجوة كبيرة
تفصل ما بين حلم طفل وعيناه
التي تلمح كل جميل وبين استاذ
مكفهر الوجه ويداه عصاة تولول
كلما حنق ؟؟
تحياتي الى من سما برقي الكلمة
تحياتي لك سيدي
فطوم الروح




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية