عطش الماء
.. حسين العلي ..

:: طبق

 ..  طبق ..

 

 

معظم الناس يكرهون يوم السبت. لأنه بداية الأسبوع ويؤذيهم هذا اليوم حين يقارنوه بيوم الجمعة حيث الراحة والأكل والنوم ، و أنا اكره يوم الاثنين، وأدعو الله دائماً أن يقصم ظهره،  فمتى زال انتهى الأسبوع.

زوجتي غير كل الناس لا تحب ولا تكره، لهذا أصرت علي أن أذهب للسوق لجلب حاجياتها.

 

في الثامنة صباحا. بعدما ملأت بطني بطبق فول وشربت الشاي بالنعناع.

في المطعم الصغير لصاحبه أبي عباس. هذا الأشيب الذي رغم أحزانه و مصائبه وفقده لاثنين من أبنائه، في حادث سير مروع ، إلا أنه لازال واقفاً على قدميه ، والبسمة لا تفارقه طوال الوقت ، فكلماته المسجوعة مع الزبائن دائمة الحلاوة والطراوة ، و يرددها  دائماً .

فإذا دخلت حياني بتحية عريضة طويلة، وهو يدندن ويطرق جدار القدر ويقول:

 

يا صباح الخير .......... يا صباح النور........ على البلور ....... يا صباح الخير..........

 

قدم إلى لفافة التبغ فهززت رأسي بالرفض ، وأكدت له أنني أقلعت عن التدخين.

قال وهو ذاهب إلى غرفة إعداد الطعام...........هل تترك رفيق العمر؟؟

وكأنني سمعته يقول بعدما ولج إلى الداخل:

.. ناس ليس لديها وفاء للرفقة..

غير أنني غير واثق مما قاله، ولن أحاسبه.

 

جاء بطبق الفول وكأس الشاي، و خبزة كبيرة مدورة كوجه القمر. وأردف .. بالهناء والشفاء، أسعد يوم، يوم حضورك.

فدعوته لكنه كعادته ربت على كتفي وقال. أبلعه وتمتع.

ذهب وهو يغمز بطرف عينه فلم أدرك ما أراده من ذلك.

 

كانت فيروز تطرز ذلك الصباح بصوتها الجميل. لكن أصوات المارة، وأبواق السيارات وطلبات الزبائن تقلل من هناء الإفطار.

بعد جولة طويلة امتدت ثلاث ساعات، وحمل أغراض كثيرة، أحسست بحاجة ماسة للحمام.

مرت ثلاث ساعات، على طبق الفول في بطني، وهو يشتعل في حاجة للتعبير عن نفسه.

 

في حمام البلدية وجدت راحتي، رغم الروائح والقاذورات والذباب.

شعرت بالحرية الخلاقة. كما يقال..

شيء فيه متعة كبيرة. مثلما شعرت وقت إدخال الطعام متعة، الآن وقت الإخراج أيضا متعة.

بل متعة كبيرة.

حتى أنني غرقت في تأمل عميق، فوقت الإدخال متعة، ووقت الإخراج متعة....!!!!!!.

تساءلت.

ماذا لو لم يدخل ؟.... أو لو أنه دخل، ولم يخرج؟

أعوذ بالله................. إنها لمصيبة لو حدث ذلك.

أعني إنها نعمة من الله، أنه يدخل ويخرج، بسلاسة ومتعة.

 

الذباب مواطن من الدرجة الأولى في حمامات البلدية وسط السوق.

أصوات الأبواب تفتح وتغلق دائماً، في حالة من الاستمرارية.

دخول وخروج، خروج ودخول..

بعدها تلفت أدقق فيما حولي، بعدما فُرجت حالي وارتحت، تأملت الجدران والباب وأغوتني كتابات كثيرة عليه فبدأت أقرأ.

... إذا كان للمعنى قيمة، فإن ..للا معنى..  هي من صنعت تلك القيمة، وبالتالي هل علينا الاهتمام بالـ لا معنى؟؟.

سؤال يطرح نفسه في حالة من التبجح والوضوح، وكأنه مؤخرة عنزة.

 

ضحكت بقوة ثم تركت السؤال دون إجابة، وواصلت القراءة، فلعل من كتب هذه الحروف يتسلى أو يخلق فلسفته الخاصة به على أبواب الحمامات.

تابعت:

خبأت البارحة حذائي العتيق القذر برائحته النتنة  في خزانة الكتب، بعدها شعرت بالراحة وتمددت في سريري حالماً بأرض فضاء، أعبث بها وأتبول فيها كيفما شئت، و أمارس ديمقراطيتي بجنون.

 لكني تضايقت كثيراً من حركة بندول الساعة، المتنقل من جهة إلى جهة دون معنى، وكأنه يقول لي:

نعم ...... لا........ نعم ........ لا ............دون توقف ولا جدوى.. بين القبول والرفض.

ثم نقاط............... ثم علامة تعجب ورسم لرأس حمار مبتسم.

وقوسين بينهم اسم. لعله الكاتب .. لكنه اسم امرأة. في حمام رجال.!!!!.

 

بعدما انتهيت اغتسلت وأردت أثناء خروجي أن يكون المكان نظيفاً خلفي.

سحبت خيط السيفون، ففاضت مياه كثيرة وبقوة شديدة أغرقتني، وأغرقت الحمام، والسوق والمدينة وازالت كتابات الأبواب.

فغرقت لا أعرف شيئاً...!!!!.

 

 

حسين العلي.

 

30/8/2006م

 

 

 

 

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 09 نوفمبر, 2006 01:05 ص , من قبل محمد الحمد
من المملكة العربية السعودية

رائع طبقك وترميزاتك . قلمك ساخر وشديد الجلد للذات العامة
وموجع لمن هم غير العامة

شكري وجل تقديري.


اضيف في 23 نوفمبر, 2006 10:01 ص , من قبل حسين العلي
من المملكة العربية السعودية

استاذي الكريم . محمد الحمد. هو طبق ليس اكثر وليس اقل ..

انت وجودك شرف لي .. مرحبا بك ودعنا ننتقد اي شيء هو سلبي لعل الله يمنحنا فرصة للخير اكثر..




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية