عطش الماء
.. حسين العلي ..

:: القميص

 

قبل الخروج تذكرت القميص.

قلت لها عنه فردت بهدوئها المعهود. كل شيء سيكون جاهزا خلال دقائق.

أرجوك استرح واحتسي قهوتك قبل أن تبرد وسأكون جهزته.

أخذت رشفة من قهوتي المرة ثم خيم صمت عميق داخلي، فوضى المكان والزمان حلت إزارها والليل قرر أن يطيل مداه حتى يتقطع.

لا فرق لدي بين الليل والليل. أي بين ليل الأمس وليل الليلة، كلا الليلين هما ليل.

وما خيم من صمت إلا شيء لابد منه، بعدما كدت أنسى القميص.

مرت سنين والمحاولة تلوى المحاولة تفشل.الإصرار يزداد ولابد من خلع القميص، ثم الوقوف مجردا من كل شيء......

 

بعدها سأكون لا شيء. لا أعرف المدى والحدود والأمكنة. فلا يمكن معرفة عمق النهر دون غوص، ولا اللون دون عيون، ولا الحب دون فراق.

فاسمع صوتا من بعيد لا يعنيني في شيء.

.. صبرا يا من ترجلت عن ظهر حبي، مسرعة لمن يستهلكك فصرتِ تفاحة هشة القضم، وتركت من يفتديك كشمعة معبد مقدسة..

ويختفي الصوت هل الزمن أكله....!!!!!

أم هي خدعة الزمن...؟؟؟؟

وأخذت رشفة أخرى....

تساءلت الآن:

الصمت يمنحني مطلق الوعي، وخلع القميص يدنيني من لا شيء. بالتالي صرت أنا كل شيء دون أنا. دون ذات. أكون ولا أكون. أكون كل شيء دون أي شيء.

فلا فرحا ولا حزن.

خلعت قميصي فانخلعت كل الغصات، والأفراح والأتراح.

تلاشت المسافة من المسافة، والليل من الليل والنهار من ذاته........

هنا كنت.. هنا: عنيت المكان تحديدا. لا يهم هنا قلتها فقط لأخبر ذاتي المخلوعة عن القميص، أنني لا أأبه لأي شيء. أأكد أي شيء........


كم كان الخوف قاسيا وصلبا، وأنا اخلع ذاتي من ذاتي. الولادة أمان، المجهول قبل الولادة هو. هو ذاته بعد الموت. لا فرق ولا شيء سوى لا شيء. كل ما قيل لا يعدوا قول. أساسه أن لا أساسا له.

تضاحكت.أتريدين الضحك معي؟

 

لم تسمعني، كانت مشغولة بكي القميص المسجى على طاولة الكي الطويلة. نائما لا يدري من هو. فقلت لها.

في أحد الأيام فاضت نافورة المعبد بالنبيذ بدل الماء، ضج المصلون للمعجزة وطغي على النفوس الإيمان.

كم كلف الإنسان إيمانه.

اعتقد المؤمنين بالمعجزة وقاتلوا وقتلوا مرارا وتكرارا من أجل ذلك. ثم رويداً رويداً وبعد ألف عام اكتشف علماء الآثار أن الذي حدث هو تسرب النبيذ من الحانة المجاورة للمعبد إلى النافورة. لا أكثر.

لا أدري هل هذا مؤلما........!!!

أن يأتي زمن برجال آثار ويبددون المعتقد المقدس ويصير لا شيء.

لا أدري فدون القميص لا يمكن قياس شيء.

 

لا أدري لسبب بسيط للغاية. أن الألم الذي يقع للمؤمنين لا يقع على لأنني لست أنا.

قميص كانت له هوية: أسم ووجه ورقم في الإدارات الحكومية.

بلدية وجوازات وجمارك و سجلات الأحوال الشخصية. كلها لم تعد هي، تلاشى الجسد/ القميص/ الطين/ التراب والماء، وصراخ يجلجل……!

صراخ من أجل احتياجات لا تنتهي........!!!.

 

الآن حتى دون الآن أنا لست أنا.

لعلي القميص…….....!!!!!!!!!

 

أضحك…...

أضحك. ممددا على طاولة طويلة والحرارة تسري في خيوطي. كنت جافا ثم مبللا ثم كنت….!. اللغة الآن لا تعدوا سوى علامات طرق. عبرت منه إليه، عبرت منه إلى شيء هو ليس بشيء.

وما اللغة الآن. إلا شاهد قبر، والشواهد لا تتحدث. اللغة لا تنطق الكلام، ككائن حي، وأنا كائن كنت كائن…….!!!.

الآن كائن فائت منتهي متلاشي. أتدفأ في عز الحر بالمكواة، وهي تحركها بصمت وتأمل، وهو يحتسي أخر قطرة من قهوته ويتساءل في استغراب:

 

نقيض الحياة موت....!!!!!

- أهذا صحيح...؟؟؟

 

هي لا تسمعه وأنا قميص ممدد فكيف أجيبه......!!!!.

 

في العادة يسأل كثيرا ويلح على بالسؤال دائما، مرارا وتكرارا.

بعد خلعي لم تعد هناك حاجة لجواب الأسئلة حيث تلاشت الأسئلة.

حيث تلاشى كل شيء. كل شيء...................

 

 

حسين العلي

 

30/5/2005م

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 10 ديسمبر, 2008 01:15 م , من قبل علي العمران
من المملكة العربية السعودية

جملة هذه النفس , جميل هذا الليل , جميل هذا الصمت الهادف .

عندما نجد رجل يرتشف فنجان قهوتة وهو شارد الذهن حينها نعلم مدى قوة السراع داخل ذاتةفأنه يخيل له انها أمامه ويخاطبها والهدوء الذي يفرضه سواد الليل كفيل بأن يمنحه فرصةالتحدث مع ذاته وقد يتخيل له كأنه هو القميص .

كيف لقطعة قميص تنطق, وماهذه القوة وراء اللغة التي تجعلها تنطق وما الرابط بين الاثنين ؟.

انه في دوامة.
انا في وسط هذه الدوامة.
لعلي انا القميص فمن يجلب لي الدفئ؟.

خيال واسع اصاغة جمل و مترادفات تجعل القارق يسجدفي جمال السرد.


اضيف في 04 اكتوبر, 2009 12:28 ص , من قبل narat
من سوريا

تلاشت المسافة من المسافة، والليل من الليل والنهار من ذاته....

كأنما تلك اللحظة ..ليست بالإمكان
اينما و متى

عذب ذاك السرد كانما يبوح عن مكنونات انساني

كغيمة




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية