عطش الماء
.. حسين العلي ..

:: بلاطات الرصيف


الخامسة فجرا يقف في انتظار الحافلة، فيدفع يديه في جيبي بنطاله اتقاء البرد والحافلة لا تأتي في موعدها المعتاد.
يقف صامت، يتأمل ما حوله ويبدأ يعد بلاطات الرصيف..
واحدة، اثنتين، ثلاث، أربع، خمس، ست بلاطات. ويعود..... ست، خمس، أربع، ثلاث، اثنتين، واحدة.
ويبدأ من جديد. واحدة، اثنتين ثلا......

دون أمل تهزه الذكرى القديمة. تهزه الأيام الماضية. في نفس هذا المكان حين يشتاق كان يروي شوقه بالتواصل بالود بالمحبة، بالرفقة الحنونة.
كل شيء يموت.
كل شيء يتلاشى.
كل شيء يغيب.
كل شيء يغيب كررها بألم، كررها بمرارة في حلقة. وهو واقف في مكانه.

دون أمل يعود لبلاطات الرصيف يعدها.
يلتاع السؤال في جوفه يشتعل كعود ثقاب. يقول لداخله هذه هي الأيام.
كيف هي الأيام تغير كل شيء....!!!، يتفحص في الفجر قدميه بل ما تحت قدميه، يتفقد بلاطات الرصيف وينظر إليها بحزن وبعمق إلى أطرافها المهدمة، ويتيقن أن الزمن والناس هم من هدمها، نكرانهم للجميل، إهمالهم للذات، تغيرهم مع الأيام.
يمر صمت داخله كالليل.
ثم يرتفع صوته الداخلي في صمت كمدا.
كل شيء سيأكله الزمن كل شيء، حتى الذكريات، حتى الشوق، حتى الحب، حتى الوله. لكنه يتساءل كيف هو الزمن ما هي الأيام كيف هم البشر..؟
ما هذه الأمواج المتلاطمة شوقا لذكراها..
لماذا اشتعل في كل لحظة، لماذا كل شيء يذكرني بكل شيء.
أغيري يشبهني أم أنا من يشبه الآخرين.. لعلي وحدي خطيئة الزمن...!!!
يدور بعينيه لعله يرى من يشبهه فلا يجد سوى الفجر الغافي في سكينة، وحافلة لم تأتي بعد.
فتمر الدقائق تلوى الدقائق. يمر الوقت وهو يتمنى أن تكون بخير.

الأهم أن تكون بخير، يحدث نفسه ويسحب كفيه من جيب البنطال وهو يتمنى أن تكون بخير.. يديه تتكلم بلغتها، تتحرك نحوى الأعلى داعية الله في هذا الفجر.. يا رب لتكن بخير..
ونبت فيه سؤال.
كيف أحوالها؟. كيف أطمأن عليها؟.

صور شتى تعبر محيط عينيه وجوف قلبه متخم بأدق التفاصيل والذكريات. ينظر إلى الصغار يلعبون. لابد أنه هو..........
هذا هو الصغير شب عن الطوق، وبداء العب مع أقرانه. أبناء الجيران مجتمعون أمام البناية. لابد انه هذا أو ذاك الواقف من بعيد. وتلك السيارة الحمراء الصغيرة للأكبر. الآن صار رجلا.
ويسمع صوته. يسمع صوته الذي كثيرا ما قاله لها. ستكبر الصغار وستعمر الديار.
الآن تغير كل شيء مع الأيام.
أمه كانت تردد هذه الجملة.. الصغار ستعمر الديار.. فحفظها عن أمه.
ويصطدم نظره بالجدار.
مرة أخرى جدار....!!!.

يمر تساؤله بطعم الاسفلت. بلون التعب. بصوت الصمت. بالسور الذي يخفي ورائه المداخل والفتحات والطوابق والفرح والحزن، وماذا بعد..؟
يسال نفسه في صوت داخلي يرن في بيت مهجور. ماذا يخفي هذا السور وهذا الحديد المثبت فوقه باللون الأبيض. أم أن الجميع رحل عن هذا المكان.
يمد للعامل ريالين ويأخذ سندويشة بالبيض. ليس جائعا ولو كان كذلك لن يأكل من بوفية لكنه يحتاج مبررا لوقوف سيارته أمام مدخل البناية. فالصغار يلعبون وسيارات كثيرة تعبر من بعيد والصمت فيه يشتعل كماء مغلي.
اهكذا يفعل الوله؟.
اهكذا الوله يجعله ينظر إلى الأرض لعله يشتم خطواتها....!!!

كان أبوه يسأل صديقه العائد من البحر. فيقول:
الشوق يقتل يا سيد.
يقتل..؟!
أستجير بالله.

يستجير بالله الآن.
يستجير بالذكرى وببلاطات الرصيف، لكنها تموج تحت قدميه حتى البلاط يعي المرارة، وتمر الحافلة ولا يدري. وينتشر ضوء الفجر ولا يعلم، وتمر السيارات وهو واقف بل يسير في مكانه ويعد.
واحدة، اثنتين، ثلاث أربــــ.....
ويبدأ من جديد.
ست، خمس أربـــــ....
واحدة..........

بلاطة واحدة.. ويقف على بلاطة واحدة لعلها تثبت، الآن بلاطة واحدة وبالأمس مخلوقة واحدة هي لا غيرها من خلقت في داخلي شطآن ومزارع للتمر والتين و الرمان، هي لا غيرها من جعلت اسمي يرن فوق الأحرف. وبين ألوف الأسماء وله طعم التمر.
مرارة بالحلق منذ الرحيل. مرارة لا تبرح مكانها طوال الليل، وفي النهار سرمدية لا تفتأ باليأس والوجع.

يتأوه ويقول ليتها تعود.
لكن كيف أتحدث معها...؟
كيف أقول لها.....؟
كيف أكون كما أنا ..؟.
لم أعد أنا أنا.....!!!

ويحدث.. لا شيء.
لالا.... أرجوك لا تعودي. فبقدر الوله وبقدر الحب وبقدر الشوق لا أريدك، وأريدك بجنون.
لا لا.. لا أريد أن تري ما صار بعدك من حطام.
أنت لا تعرفي ماذا تركتي برحيلك. فقط اسعدي بأيامك، بصغارك.
لا بأس.......... قليلا من الصبر وسيكبرون، سيعمرون الأرض تحت قدميك.
وسيملئون دنياك بالفرح.
لن تبقي على الرصيف.

وتموج بلاطة الرصيف، والنهار ينتفض من غفوته والحافلة ذهبت وهو لازال في زمن الانتظار.
يسأل الواقف من بعيد يدخن فلا يرد عليه.
بل يطفئ أمامه سيجارته السادسة خلال ربع ساعة، يسحقها بقدميه. ست سجائر دون جواب.
يتألم كيف يفعل ذلك.
كيف يشوه بلاطات الرصيف الصامتة في هذا الفجر.
كيف يسحق عقب سيجارته التي كانت قبل قليل بين شفتيه. ينكسر في صمته ويشعر أنه كان بقية سيجارة مسحوقة على وجه الرصيف...........


(5) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 16 مايو, 2008 02:50 ص , من قبل فؤد نصر

بلاطات وحزن.. ثم نهايات بأساوية .

...
الماضي لايعود يا سيدي.


كل التقدير .


اضيف في 14 يونيو, 2008 05:46 ص , من قبل nooralshari7a


1..
2.
3
4
5
....!

نود لو أن نعود
ولكن تبقى
مجرد
أمنية..


موفق.


اضيف في 04 سبتمبر, 2008 07:02 ص , من قبل محمود الديدامونى
من مصر

بلاطات الرصيف
نص متميز يستحق القراءة
به من المميزات السردية الكثير
سلاسة الاسلوب
وعى السارد أقصد الراوى
مزيد من الألق الإبداعى كاتبنا الكبير / حسين العلى
أنتظر " الان "
العنوان تركته فى الرسالة الخاصة
وأتركه الان
محمود الديدامونى
..........
مصر - الشرقية - ديرب نجم
جميزة بنى عمرو


اضيف في 16 سبتمبر, 2008 06:03 ص , من قبل calmdawn
من المملكة العربية السعودية


/
\
/
\

وتعقبا الأيام دواليك ونحن بعيني كسير قد تحجرت بالدموع وحبس من الزفرات الساخنه نكبتها كما حبسنا محاجرنا، ونتمنى لعل المنى يريح سرب مشاعرنا، ويكفف دموع الضنك الأليم، فهنا هُد الجسد وانتحل تمثال يمشي لا يفتأ بمن حوله سائرون..

لاتذر على جروحك ملحاً وتعذب نفسك، قبلها لتناسد نفسك بنفسك مادادم الغروب أوحد

/
\
/
\

نص باذخ العواطف، حبيس المشاعر جريح كسير


كنتُ من المحظوظين الذين قرأو ما نثرته أناملك


لكَ ودي ’،


اضيف في 15 اكتوبر, 2008 02:07 م , من قبل femus
من مصر

اخذتنا معك فى بحر الروائع

وكان احساسك يتحدث عن كل ما تحملة

الحياة حزن ماضى سعادة

تحياتى / محمد مازن




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية